الإصلاحات في عهد الداي حسين (1818-1830م)
Loading...
Date
2026-01-22
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
جامعة المسيلة كلية العلوم الانسانية والاجتماعية
Abstract
لقد شكّل عهد الدايات (1671-1830م) مرحلة محورية في تاريخ الإيالة الجزائرية خلال الحقبة العثمانية، وذلك لما امتاز به من طول زمني وما حفلت به تلك الفترة من أحداث مفصلية. ومن أبرز المحطات التي طبعت نهايات هذا العهد وصول الداي حسين إلى الحكم سنة 1818م في سياق سياسي واجتماعي شديد الاضطراب، حيث شهدت الإيالة ما عُرف في المصادر التاريخية بـ"عهد الفوضى". وقد سعى الداي حسين، منذ اعتلائه سدة الحكم، إلى انتشال الجزائر من حالة الوهن والانحطاط التي لحقت بها، معبّراً عن نوايا صادقة في إعادة بعث قوتها الداخلية واستعادة مكانتها الإقليمية والدولية.
في هذا الإطار، بادر الداي حسين إلى جملة من الإصلاحات شملت مختلف الميادين الحيوية ذات الصلة بالمصلحة العامة. فقد عمل على تنظيم الجهاز الإداري وإعادة هيكلة المناصب العليا في الدولة، كما أولى عناية خاصة بالمؤسسة العسكرية والبحرية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لضمان استقرار الحكم والدفاع عن السيادة. كما حرص على ضبط شؤون الجيش، وأدخل تحولات لافتة في بنيته، في الوقت الذي سعى فيه إلى إرساء سياسة خارجية متوازنة، مكّنته من فرض هيبة الجزائر في تعامله مع القوى الأجنبية، مع المحافظة على علاقات سلمية مستقرة مع دول الجوار، وعلى رأسها المغرب الأقصى وتونس وليبيا.
غير أنّ هذه الجهود لم تكن كافية لتجاوز مظاهر الضعف البنيوي التي نخرت كيان الإيالة الجزائرية في بدايات القرن التاسع عشر. فقد تدهورت الأوضاع الاقتصادية بشكل ملحوظ نتيجة لانهيار الأسطول البحري الذي كان يشكّل المورد الرئيس للخزينة، كما أصيب الجيش الإنكشاري بالترهّل، ففقد هيبته وقدرته على الدفاع الفعّال عن البلاد. وإلى جانب ذلك، تعرّضت الجزائر لانكماش ديمغرافي حاد مردّه إلى الأوبئة والمجاعات المتكرّرة، فضلاً عن الضغوط الخارجية والحملات العسكرية الأوروبية التي زادت من إضعافها.
وعليه، يتضح أنّ عوامل التراجع لم تكن مرتبطة بشخص الداي حسين بصفته حاكماً، ولا بالجزائر وحدها، بل كانت جزءاً من أزمة أشمل أصابت مختلف الإيالات العثمانية نتيجة عجزها عن مجاراة التحولات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي شهدها العالم آنذاك. إنّ ضعف الجزائر في هذه المرحلة هو نتاج تفاعل مركّب بين ظروف داخلية متأزمة وضغوط خارجية متنامية، وهو ما مهّد الطريق في النهاية إلى انهيار السيادة العثمانية بالجزائر ودخولها مرحلة جديدة من تاريخها مع الاحتلال الفرنسي سنة 1830م.